أبي حيان الأندلسي
264
تفسير البحر المحيط
* كأني لم أركب جواداً للذة * ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال * * ولم أسبأ الرق الروي ولم أقل * لخيلي كري كرة بعد إجفال * وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس كافطاني للنسب ، وأن ركوب الخيل للصيد وغيره من الملاذ يناسب تبطن الكاعب انتهى . وقيل : هذا الجواب على قدر السؤال لما أمر الله آدم بسكنى الجنة قال : إلهي ألي فيها ما آكل ؟ ألي فيها ما ألبس ؟ ألي فيها ما أشرب ؟ ألي فيها ما أستظل به ؟ وقيل : هي مقابلة معنوية ، فالجوع خلو الباطن ، والتعري خلو الظاهر ، والظمأ إحراق الباطن ، والضحو إحراق الظاهر فقابل الخلو بالخول والإحراق بالإحراق . وقيل : جمع امرؤ القيس في بيتيه بين ركوب الخيل للذة والنزهة ، وبين تبطن الكاعب للذة الحاصلة فيهما ، وجمع بين سباء الرق وبين قوله لخيله كري لما فيهما من الشجاعة ولما عيب على أبي الطيب قوله : * وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الردى وهو نائم * * تمر بك الأبطال هَزْمَى كليمة * ووجهك وضاح وثغرك باسم * فقال : إن كنت أخطأت فقد أخطأ امرؤ القيس . وتقدم الكلام في * ( فَوَسْوَسَ ) * والخلاف في كيفيتها في الأعراف ، وتعدى وسوس هنا بإلى وفي الأعراف باللام ، فالتعدي بإلى معناه أنهى الوسوسة إليه والتعدّي بلام الجر ، قيل معناه : لأجله ولما وسوس إليه ناداه باسمه ليكون أقبل عليه وأمكن للاستماع ، ثم عرض عليه ما يلقى بقوله * ( هَلْ أَدُلُّكَ ) * على سبيل الاستفهام الذي يشعر بالنضح . ويؤثر قبول من يخاطبه كقول موسى * ( هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى ) * وهو عرض فيه مناصحة ، وكان آدم قد رغبه الله تعالى في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله * ( فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا ) * الآية ورغبة إبليس في دوام الراحة بقوله : * ( هَلْ أَدُلُّكَ ) * فجاءه إبليس من الجهة التي رغبه الله فيها . وفي الأعراف * ( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَاذِهِ الشَّجَرَةِ ) * . وهنا * ( هَلْ أَدُلُّكَ ) * والجمع بينهما أن قوله * ( هَلْ أَدُلُّكَ ) * يكون سابقاً على قوله * ( مَا نَهَاكُمَا ) * لما رأى إصغاءه وميله إلى ما عرض عليه انتقل إلى الإخبار والحصر . ومعنى * ( عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) * أي الشجرة التي مَن أكل منها خلد وحصل له ملك لا يخلق ، وهذا يدل لقراءة الحسن بن عليّ وابن عباس إلا أن تكونا ملكين بكسر اللام * ( فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا * سَوْءتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ) * تقدم الكلام على نحو هذه الآية في الأعراف * ( وَعَصَى * ءادَمَ * رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) * قال الزمخشري عن ابن عباس : لا شبهة في أن آدم صلوات الله عليه لم يمتثل ما رسم الله له وتخطى فيه ساحة الطاعة ، وذلك هو العصيان . ولما عصى خرج فعله من أن يكون رشداً وخيراً فكان غياً لا محالة لأن الغيَّ خلاف الرشد . ولكن قوله * ( وَعَصَىءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) * بهذا الإطلاق وهذا التصريح ، وحيث لم يقل وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة ، وكأنه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف نعتب على النبيّ المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع ، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات